محمد بن أحمد المالكي ( الصباغ )

458

تحصيل المرام في أخبار البيت الحرام

وأذلّ من يوم عرفة ، وما ذلك إلا لما يرى من تنزل الرحمات ، وتجاوز اللّه عن الذنوب العظام « 1 » ، إذ يقال : إن من الذنوب ذنوبا لا يكفّرها إلا الوقوف بعرفة . انتهى . وعن العباس بن مرداس السلمي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم دعا لأمته عشية عرفة ، فأجيب له أني قد غفرت لهم ما خلا ظلم بعضهم بعضا ، فإني آخذ من المظلوم للظالم فقال صلى اللّه عليه وسلم : « إنك لقادر أن تغفر للظالم وتعوض المظلوم « 2 » من عندك خيرا من مظلمته » فلم يجب له صلى اللّه عليه وسلم في ذلك العشية . فلما كان عند المشعر الحرام ووقف به ودعا وأعاد الدعاء لهم ، وتضرع للّه في أن يتحمل عنهم المظالم والتبعيات ، فلم يلبث صلى اللّه عليه وسلم أن تبسم فقال له أصحابه : أضحك اللّه سنك ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « إن إبليس عدو اللّه لما علم أن اللّه قد استجاب دعائي لأمتي وغفر لهم المظالم ذهب يدعو بالويل والثبور ويحثو على رأسه التراب فأضحكني ما رأيته من جزعه » « 3 » . أخرجه ابن ماجة . وذكر ابن المبارك من حديث أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : قال صلى اللّه عليه وسلم بعرفات وقد كادت الشمس أن تغرب فقال : « يا بلال ، أنصت الناس » . فقام بلال فقال : أيها الناس ، أنصتوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأنصت الناس فقال : « معاشر الناس إن جبريل أقرأني من ربي السلام وقال : إن اللّه عز وجل غفر لأهل عرفة وأهل المشعر وضمنت عنهم التبعات » . فقام عمر رضي اللّه عنه فقال : يا رسول اللّه ، لنا خاصة هذا ؟ قال : « هذا

--> ( 1 ) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ( 3 / 461 ) ، والفاكهي في أخبار مكة ( 5 / 26 ح 2762 ) ، ومالك في الموطأ ( 1 / 336 ح 245 ) ، وعبد الرزاق في مصنفه ( 4 / 378 ) كلهم من حديث طلحة بن عبيد اللّه بن كريز . ( 2 ) هنا يوجد سقط في الأصل قدر عدة لوحات ، وقد استدرك من نسخة ب . ( 3 ) أخرجه ابن ماجة ( 2 / 1002 ح 3013 ) .